قالت مجلة "موندافريك" الفرنسية إنه على الرغم من أهمية مصر الاستراتيجية، لكنها تعاني من ضعف متزايدة: التبعية المالية، والتوترات الاجتماعية، وهشاشة الطاقة، والضغط الديموغرافي. 

 

وباعتبارها الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان، إذ يبلغ عدد سكانها حوالي 116.5 مليون نسمة، وتقع بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر ووادي النيل، وصفت المجلة مصر بأنها تظل لاعبًا رئيسًا في الاستقرار الإقليمي. 

 

نقاط ضعف عميقة

 

مع ذلك، أشارت إلى نقاط ضعف عميقة وراء هذه المكانة الجيوسياسية المحورية: جيل شاب يواجه ارتفاعًا في الأسعار، ومشاريع طموحة تواجه انتقادات وسط توترات اجتماعية، وعملة ضعيفة على الرغم من عودتها مؤخرًا إلى الاستقرار، واعتماد اقتصادي ومالي قوي يحد من هامش مناورتها. 

 

وأكت المجلة أن مصر تبقى قوة استقرار لا غنى عنها لتحقيق التوازن الإقليمي، ولكنها غالبًا ما تعاني من نقاط ضعفها الخاصة.

 

وأبرزت مسار الحكم الاستبدادي الذي انتهجه عبدالفتاح السيسي منذ الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين عام 2013، قائمًا على إعادة الجيش إلى موقع مركزي. في عهد السيسي، يُشكّل الجيش ركيزة النظام السياسي والاقتصادي. 

 

ولفتت إلى أن النظام سهّل وصول العسكريين إلى عقود حكومية كبرى، ودمج أعداد كبيرة من الضباط السابقين في الخدمة المدنية، بما يضمن استمرارية النظام، وفي الوقت نفسه يعزز مركزية السلطة.

 

وبحسب التقرير، يعتمد هذا الاستقرار أيضًا على الدعم الخارجي المستمر: فبصفتها أول دولة عربية توقع معاهدة سلام مع إسرائيل، لا تزال مصر من أبرز متلقي المساعدات الأمريكية في الشرق الأوسط. 

 

ووفقًا لما نقله عن مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية، فإن مصر تتلقى ما يقارب 1.3 مليار دولار أمريكي سنويًا كمساعدات عسكرية، على شكل معدات وتدريب وتعاون أمني. ويُستكمل هذا الدعم بتمويل دولي، وبرامج صندوق النقد الدولي، واستثمارات من دول الخليج، مما يدعم اقتصادًا مُنهكًا بفعل الديون والتضخم والتوترات الإقليمية.

 

هشاشة مستمرة

 

لكن التقرير قال إن هذا الاستقرار يأتي مصحوبًا بهشاشة مستمرة: الاعتماد على الطاقة، وبخاصة الغاز المستورد. فعلى الرغم من طموح مصر في أن تصبح مركزًا إقليميًا للغاز، إلا أنها لا تزال تعتمد على الواردات، وبخاصة الغاز الإسرائيلي، لتأمين سوقها المحلية وتلبية احتياجات بنيتها التحتية للتسييل. 

 

وتابعت المجلة: "هذا الترابط، بدلًا من أن يحد من هامش مناورة القاهرة، يمنحها، على نحوٍ متناقض، ثقلًا دبلوماسيًا إضافيًا في إدارة التوازنات الإقليمية. ويُجسد عقد الغاز الذي أعلنه بنيامين نتنياهو في 18 ديسمبر، والذي قُدّرت قيمته بنحو 35 مليار دولار، وهو الأكبر في تاريخ إسرائيل، هذه المفارقة: الرغبة في أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة مع ترسيخ شكل من أشكال الاعتماد المتزايد في الوقت نفسه".

 

السلطة تحت الوصاية


ويرى التقرير أن الجغرافيا تُعدّ إحدى أهمّ أدوات القوة في القاهرة. فبموقعها بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، في قلب طرق التجارة العالمية، تُسيطر مصر على قناة السويس، وهي شريان حيوي للتجارة الدولية. يُمثّل هذا الموقع رصيدًا اقتصاديًا هامًا، ولكنه في الوقت نفسه يُشكّل نقطة ضعف: فعندما تتصاعد التوترات الإقليمية، تنخفض عائدات القناة بشكل حاد، مما يُؤثّر سلبًا على الاقتصاد الوطني. 

 

ولا تقتصر هذه المركزية على الشرق الأوسط فحسب، كما يقول التقرير، بل تنظر مصر أيضًا إلى نفسها كلاعب أفريقي رئيس، مُوجّهة نحو القرن الأفريقي ووادي النيل، حيث تتأرجح علاقاتها بين التعاون الاقتصادي والأمني والتنافس الاستراتيجي على المياه، لا سيما فيما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي، الذي يُعدّ من أكثر القضايا حساسية في سياستها الخارجية.

 

على الصعيد الدبلوماسي، أوضح التقرير أن مصر تنتهج استراتيجية التحالفات المتعددة، فهي شريك أمني عريق للولايات المتحدة، ولا تزال تعتمد عليها بشكل كبير في معداتها العسكرية، وتسعى في الوقت نفسه إلى تنويع شراكاتها من خلال توطيد علاقاتها مع قوى جديدة والانضمام إلى مجموعة البريكس في الأول من يناير 2024. 

 

ويهدف هذا التوازن الدبلوماسي إلى الحفاظ على هامش للمناورة دون قطع العلاقات مع واشنطن. إلا أن هذا الدور المحوري يقوم على توازن هش: فبينما تنفذ الدولة مشاريع بنية تحتية ضخمة، يعاني جزء كبير من السكان من التضخم والفقر وآثار انخفاض قيمة الجنيه المصري. وبين قناة السويس، التي تُعدّ شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، والغاز، الضروري لاستقرارها الطاقي، باتت قوة مصر تعتمد اليوم على إدارة تبعياتها أكثر من اعتمادها على استقلال استراتيجي حقيقي، بحسب التقرير.

 

 وبحسب المجلة، فإن هذه الهشاشة النسبية تزداد وضوحًا مع تغير موازين القوى الإقليمية. فمنذ هجمات 7 أكتوبر 2023، والتسارع في إعادة تشكيل المشهد في الشرق الأوسط، لا سيما بعد سقوط النظام السوري، شهدت قطر وتركيا ازديادًا في حضورهما الدولي، كلٌّ وفقًا لنموذجٍ خاص. وعلى الرغم من أن هذا لا يُطغى على حضور مصر، إلا أن هذه الديناميكية تعكس أنماطًا مختلفة من العمل: فالدوحة وأنقرة تحتلان مركز الصدارة، بينما تبقى القاهرة فاعلًا استقراريًا أقل وضوحًا، لكن يصعب التغلب عليه.

 

مركزية هشة

 

وفيما يتعلق بالنظام الجديد للشرق الأوسط، يقول التقرير إن معيار النفوذ لم يعد يقاس بمجرد القدرة على بسط القوة أو فرض رؤية إقليمية. فمصر تجسد شكلاً آخر من أشكال النفوذ: قوة لا غنى عنها. فبين قطر، التي تتفاوض، وتركيا، التي تسعى إلى بسط نفوذها في المنطقة، تحافظ القاهرة على توازن القوى، وتسيطر على طرق العبور، وتمنع تصاعد الأزمات. لكن هذه المركزية تقوم على مفارقة متنامية: فكلما ازدادت أهمية مصر للاستقرار الإقليمي، كلما برزت نقاط ضعفها الداخلية.

 

وبينما يشير التقرير إلى اعتماد مصر على التمويل الخارجي، لفت إلى الصدمات الجيوسياسية التي تتعرض لها، وتؤثر على قناة السويس وقطاعات الطاقة، وتواجه ضغوطًا اجتماعية وديموغرافية مستمرة، ما يجعلها تسير على حافة الهاوية. فموقعها الجغرافي يمنحها أهمية استراتيجية لا يمكن تجاهلها، بينما يحد اقتصادها من قدرتها على المبادرة. تبقى مصر لاعبًا رئيسًا لأنها تتواصل مع الجميع: واشنطن، وإسرائيل، ودول الخليج، ومجموعة البريكس، لكن هذا التوازن الدبلوماسي يعكس أيضًا ضرورة تعويض نقاط ضعفها.

 

واعتبر التقرير أن مصر ليست مجرد قوة صاعدة، بل هي قوة لا غنى عنها. فهي لا تزال لاعبًا محوريًا، وإن كان استقرارها بالغ الأهمية لاستقرار الشرق الأوسط، مدعومة بالدعم الاستراتيجي الأمريكي وسلام دائم مع إسرائيل يضمن لها مكانتها في المنظومة الإقليمية. 

 

وفي الوقت نفسه، يتشكل تحول أعمق: عودة صعود القوى السنية، بينما يبدو أن المحور الشيعي، الذي طالما شكل قوة معرقلة للتوازنات الإقليمية، يدخل مرحلة من التراجع الاستراتيجي. ولذلك، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت مصر ستبقى مركزية، بل ما إذا كان بإمكانها تحويل هذه المركزية الخارجية إلى استقرار داخلي قبل أن تعيد نقاط ضعفها تعريف دورها الإقليمي.

 

https://mondafrique.com/moyen-orient/egypte-de-sissi-pivot-regional-ou-geant-fragile/